محمد بن جرير الطبري

292

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، أنه قال في المحارب : ذلك إلى الامام ، إذا أخذه يصنع به ما شاء . حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن أبي هلال ، قال : ثنا هارون ، عن الحسن في المحارب ، قال : ذاك إلى الامام يصنع به ما شاء . حدثنا هناد ، قال : ثنا حفص بن غياث ، عن عاصم ، عن الحسن : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله قال : ذلك إلى الامام . واعتل قائلوا هذه المقالة بأن قالوا : وجدنا العطوف التي بأو في القرآن بمعنى التخيير في كل ما أوجب الله به فرضا منها ، وذلك كقوله في كفارة اليمين : فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ، وكقوله : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ، وكقوله : فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما . قالوا : فإذا كانت العطوف التي بأو في القرآن في كل ما أوجب الله به فرضا منها في سائر القرآن بمعنى التخيير ، فكذلك ذلك في آية المحاربين الامام مخير فيما رأى الحكم به على المحارب إذا قدر عليه قبل التوبة . وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا تأويل من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه وجعل الحكم على المحاربين مختلفا باختلاف أفعالهم ، فأوجب على مخيف السبيل منهم إذا قدر عليه قبل التوبة وقبل أخذ مال أو قتل : النفي من الأرض وإذا قدر عليه بعد أخذ المال وقتل النفس المحرم قتلها : الصلب لما ذكرت من العلة قبل لقائلي هذه المقالة . فأما ما اعتل به القائلون : إن الامام فيه بالخيار من أن أو في العطف تأتي بمعنى التخيير في الفرض ، فنقول : لا معنى له ، لان أو في كلام العرب قد تأتي بضروب من المعاني لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها ، وقد بينت كثيرا من معانيها فيما مضى وسنأتي على باقيها فيما يستقبل في أماكنها إن شاء الله . فأما في هذا الموضع فإن معناها : التعقيب ، وذلك نظير قول القائل : إن جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن